إسهامات

هذه تتمة لمقال: ضبط الاستهلاك تقرب إلى الله (1) للومضة السابقة.

3. الآثار الإيجابية للترشيد:

والأّهم من ذلك أن تكون لتقييد الاستهلاك وضبطه آثار عظيمة على تربية الفرد والجماعة، مثال ذلك:

  • التربية الاجتماعية:

التي تتمحور حول ألا يستأثر الأغنياء بكل شيء، بينما يحرم الفقراء من كل شيء؛ لأن ذلك يؤدي إلى الحقد والحسد والضغينة، ورحم الله الخليفة الراشد الخامس عمر بن عبدالعزيز، لما علم أن أحد أولاده قد اشترى خاتما بألف درهم، كتب إليه مستنكرا: «بلغني أنك اشتريت خاتما فصه بألف درهم، فإذا جاءك كتابي هذا فبعه، وأطعم بثمنه ألف جائع، واشتر خاتما فصه من حديد، واكتب عليه: رحم الله امرءا عرف قدره نفسه»!

  • التربية الخلقية:

بحيث يبتعد المؤمن عن التنعم والترف والحرام، ويعيش المسلم التكافل الاجتماعي مع أفراد مجتمعه، وقد ذكر الحاكم في مستدركه أن عمر بن الخطاب رأى في يد جابر بن عبدالله -رضي الله عنهما- درهما، فسأله: ما هذا الدرهم؟ قال: أريد أن أشتري به لأهلي لحما قرموا إليه، أي: اشتدت شهوتهم له، فقال عمر: أكلما اشتهيتم اشتريتم؟! ما يريد أحدكم أن يطوي بطنه لابن عمه وجاره؟! أين تذهب عنكم هذه الآية: ﴿ ..أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا.. الأحقاف: 20.

  • التربية الاقتصادية:

أما التربية الاقتصادية، فتكون بالتدريب على التقليل من الاستهلاك، وبالتالي تدريب الأفراد والأمة على الاستهلاك العقلاني، عسى أن تتوافر الأموال الضخمة، مصداق ذلك ما ورد في مسند أحمد أن النبي ﷺ قال: "من فقه الرجل قصده في معيشته".

  • التربية العسكرية والسياسية:

ولا ينبغي أن نغفل دور التربية العسكرية والسياسية؛ لأن الترف والنعيم يقتلان في النفوس الدفاع عن العرض والأرض، وعند ذلك تصبح البلاد لقمة سائغة بفم الأعداء.

  • التربية الصحية:

وكذلك دور التربية الصحية والجسدية، وذلك من خلال التقليل من الطعام؛ لأن الإسراف فيه يؤدي إلى التخمة التي يرافقها كثير من الأمراض، وصدق القائل: «المعدة بيت الداء، والحمية رأس الدواء». هو (الحارث بن كلدة) طبيب عربي جاهلي مشهور بحكمه.

4. أهم مستويات الاستهلاك:

هناك ثلاثة مستويات للاستهلاك:

  • مستوى حد الكفاف:

أي الحاجات الأساسية والضرورية للإنسان، وهي الطعام والشراب والكسوة والمسكن، وبالتالي فهي تتعلق بالكليات الخمس، حفظ الدين والنفس والنسل والمال والعقل، هذا الحد يعد الحد المتدني من الحياة المعيشية لأفراد المجتمع ولا تقر الشريعة بهذا المستوى؛ لأنها تعده حالة طارئة على المجتمع المسلم، مصداق ذلك قول عمر رضي الله عنه: «إني حريص على ألا أدع حاجة إلا سددتها ما اتسع بعضها لبعض، فإن عجزنا تأسينا في عيشنا حتى نستوي من الكفاف».

  • مستوى الحاجات الأساسية:

أما المستوى الثاني: فهو المستوى الذي تشبع فيه جميع الحاجات الأساسية المشروعة للإنسان، مصداق ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ  فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ  إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَىٰ  وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَىٰ طه: 116-119.

ويلاحظ من الآيات أنه -سبحانه- تكفل لهما بما يلبي بعض الغرائز الظاهرة، كاللباس، والطعام، كما تكفل لهما بإشباع بعض الغرائز الباطنة كالعطش.

ولهذا تختلف حاجات الكفاية من إنسان لآخر، ومن زمان لآخر، ومن مكان لآخر، لكن أهم تلك الحاجات هي الزواج، وتوفير كتب العلم وما يتعلق بذلك، وتوفير سبل العلاج، ووسائل الانتقال والركوب، وتوفير حرفة نافعة أو عمل مناسب، فضلا عن وسائل الإنتاج اللازمة.

  • مستوى الرفاهية:

وأما مستوى الرفاهية فيعني مستوى التوسع والراحة والدعة والتنعم في وسائل العيش، لكن ضمن ضوابط الشريعة الإسلامية؛ حيث لا يستغرق الإنسان في الرفاهية إلى درجة العبادة، بل عليه أن يصل إلى أكبر قدر ممكن من المنفعة، دون الاعتداء على الآخرين، وعليه ألا يجعل ذلك غاية تستعبده إلى حد اللهاث وراء آخر الصرعات والموضات، إنما الحل يكمن في الوسطية؛ بحيث لا إفراط ولا تفريط، فلا ابتعاد عن الدنيا إلى حد إهمال كل شيء، ولا انغماس في ملذاتها ومتعها إلى حد الاستغراق، مصداق ذلك ما ورد في صحيح البخاري أن النبي ﷺ قال: "تعس عبد الدينار، وعبد الدرهم، والقطيفة، والخميصة، إن أُعطي رضي، وإن لم يُعط لم يرض".

تعس: (شقي). القطيفة: (ثوب له أطراف لم تنسج). الخميصة: (ثوب من صوف).

5. عقلنة الاستهلاك:

من روائع الشريعة الإسلامية أنها تقوم على الواقعية، بعيدا عن المثاليات والتحليق في الهواء الطلق؛ لذلك وضعت بعض النقاط المضيئة في سياق ضبط الاستهلاك وعقلنته.

  • منها معرفة مدى حرية الأفراد في ممارسة عملية الاستهلاك، فبينما يذهب النظام الاقتصادي الرأسمالي إلى مطلق الحرية للفرد؛ بحيث ينفق ما يشاء، دون أن يتدخل أحد في ذلك، يذهب النظام الاقتصادي الإسلامي إلى ضبط الاستهلاك بضوابط الشريعة.
  • إلى جانب تحريم الإسراف والترف؛ لا يجوز بذل المال إلا فيما ينبغي، ولا يجوز تجاوز الحد في الإنفاق، ولا يجوز الإنفاق في وجوه المعصية، وإلا تكون الحال كما قال تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ القصص: 58.
  • إن التوسط في الإنفاق وترشيد الاستهلاك يؤديان إلى نشوء فائض من الأموال لدى الفرد ولدى الدولة؛ بحيث تحدث الزيادة في الإنتاج على الاستهلاك، وهنا يأتي دور الدولة؛ لتتدخل في تشجيع الادخار الفردي والجماعي، ومن ثم توجيه هذا الفائض نحو الاستثمار لخلق سلع جديدة، يستفيد منها المجتمع، ويسد ثغرات كانت لديه، وإذا بقي المال الفائض دون استثمار سمي اكتنازا -الادخار الاحتياطي- لكن الدولة الإسلامية تشجع الادخار الذي يؤدي إلى خلق مزيد من الاستثمارات.

وفي القرآن الكريم نماذج لترشيد الاستهلاك، مثال ذلك ما قامت به الدولة في عهد نبي الله يوسف -عليه السلام- بإرشاد الأمّة إلى ضغط الاستهلاك في سنوات الازدهار والرخاء، وذلك من أجل مواجهة السنوات العجاف، من خلال إعطاء كل من يأتي ليكتال لأهله تعيينا محددا، وهو حمل بعير واحد لكل رجل.

-بتصرف-

المصدر: موقع مجلة الفرقان

شاركنا بتعليقك